الخميس، 19 يوليو 2012

لحظات الاحتضار

لحظات الاحتضار

نبذة :
من مر بالمقابر فلم يتفكر لنفسه ولم يدع لهم فقد خان نفسه وخانهم...






نص المطوية :



بسم الله الرحمن الرحيم

أخي الكريم: تذكر أن الآخرة مقبلة، وأن الدنيا مدبرة، وأن الموت حقيقة لا محيد عنها، وشراب لا بد لك أن تشربه، وباب لا أبالك أن تلجه، فهل أعددت للقبر عدته؟
وللسؤال جوابه؟!!

فلا أحد يجهل حقيقة الموت، ولا أحد يجادل في وقوعه وحصوله، ولكن أين من يصدق علمه عمله؟ومقاله فعاله؟!!
ولذلك قيل: ما رؤي شيء يقين أشبه بالشك من الموت!!

فالموت يأتي بجهازه على الصغير والكبير، والرفيع والوضيع، والغبي والذكي والأبله والداهية، والمعسر والموسر، والملك والمملوك.
قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [العنكبوت: 57]
وقال سبحانه: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26-27]

فالعاقل من يفكر في المال، ويدع ما يكون مصيره إلى زوال، ويشغل النفس بالبر والتقوى وما فيه خير الآخرة والعقبى.

والهالك، من أتبع نفسه هواها، وضيع أيامه في شهوات وملذات، وولج أبواب المعاصي والسيئات وباع خسيساً بنفيس.



يا نفس ويحك! للمتــاب فبــادري *** من قبل أن تأتي الذنوب مسطرة
يا نفس جدى في التقي وتـزودي*** عملاً وكونــــي للقـا مستشعـــرة
يا نفس قوم على الدنيـا! احتـووا *** ظلمـــاً ومالهــــم إذاً مـن آخــــــرة
يا نفس توبي اليوم من قبل الردى*** فعسى تكوني في غد مستبشرة

وتذكر أخي الكريم: أن الدنيا أيام معدودة، مستعارة مردودة، وأنك فيها في ابتلاء، وأنها لك دار حظ وعمل، وأنه لا مفر لك من نهاية الأجل، وأن القبر فتنة وحساب فإما نعيم وإما عذاب، وأن المرء يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه، ففريق في الجنة وفريق في السعير.

فهل أعددت للموت عدته؟ وهل فكرت يوماً في وحشة القبور؟
وهل تأملت في أهوال الحشور والنشور؟

أعد على فكرك أسلاف الأمم*** وقف على ما في القبور من رمم
وناديهم أين القـوي منـكــم *** والقاهر أيـن الضعيــف المهتضـــم
تفاضلت أوصافهم فوق الثرى*** ثـم تســـاوت تحتـــــه كـل قــــدم

أولاً لحظات المحتضرين

أخي الكريم: هل فكرت في يوم من الأيام كيف ستكون خاتمتك؟
هل خلوت بنفسك يوماً وسألتها: كيف قد تكونين يا نفسي ساعة الاحتضار؟
كيف سيكون حالك والناس مجتمعون حولك يبكون ويتأسفون ولا أحد منهم يجد لك حيلة أو شفاء؟
كيف سيكون جوابك إن لقنك الحاضرون لا إله إلا الله؟
هل ستقولها أم ينقبض اللسان؟
هل ستقبلينها أم تردينها فيختم لك بالكفر؟

فلربما كانت تلك الأسئلة من دواعي يقظتك، ومن موجبات زوال غفلتك، وانقطاعك عن اللهو واللعب، وتناسي لحظات الاحتضار العصيبة، وثواني الفراق الأليمة، حيث سكرات الموت وخروج الروح وانتهاء العمر والأجل.

أخي:
هب أنك قد ملكت الأرض طرً *** ودان لك البلاد فكان ماذا
أليس غداً مصيرك حوف قبر *** ويحثو التراب هذا ثم هذا

فتفكر يا عبدالله، فإنما هي أيام ولحظات وساعات معدودات، ويأتي داعي الموت، فلا هروب ولا محيد.
{وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق: 19]

مشيناها خطى كتبت علينا *** ومن كتبت عليه خطى مشاها
وأرزاق لنـــــا متـــــــفـرقـــــات*** فمـن لـم تأتـــــه منـا أتاهــــــا
ومن كتبت منيتــــه بــــــأرض*** فليس يموت في أرض سواها

من أحوال المحتضرين:

ولا بأس أخي الكريم، أن أذكر لك بعض لطائف المحتضرين، ممن فتح الله عليهم لحظة الموت بالثبات واليقين وختم لهم بصالح الأعمال، جزاء على ما قدموا في حياتهم من الطاعات والقربات.

فقد حكى القرطبي في كتابه التذكرة، عن شيخ شيخه أحمد بن محمد القرطبي: "أنه احتضر فقيل له: قل لا إله إلا الله، فكان يقول: لا، فلما أفاق ذكرنا له ذلك، فقال: أتاني شيطان عن يميني وعن يساري: يقول أحدهما: مت يهودياً فإنه خير الأديان، والآخر يقول: مت نصرانياً فإنه خير الأديان فكنت أقول: لهم: لا، لا، أنى تقولان هذا!!"
فكان الجواب لهما لا لكم.

فالله، الله، إذا نزل بك الموت، فلا يكن لك هم إلا الثبات على الدين والاستغفار من الذنوب، والتوبة النصوح، لعلك تلقى ربك طاهراً نقياً، فإن عوارض الفتن عند الاحتضار لا تحصى، فربما وجد المرء تشوقاً إلى الدنيا، وانزعج لفراق الأحبة، أو ضعف عن تحمل سكرات الموت وزفراته، أو فتنة شيطان مريد فمال الإنسان عن دينه نسأل الله الثبات وحسن الخاتمة.

وعن عبدالله بن الإمام أحمد قال: "حضرت وفاة أبي، فكان يغرق ثم يفيق ويقول: لا بعد، لابعد، فعل هذا مراراً، فقلت له: يا أبت! أي شيء منك؟
قال: الشيطان قائم بحذائي عاض على أنامله يقول: فتني يا أحمد، وأنا أقول لا بعد حتى أموت".

فتذكر أخي الكريم عسر هذه اللحظات، وتذكر ما يحصل فيها من البلاء والفتن، فوالله إنها لأحرى بالتذكر والتأمل، والاستعداد والتشمير عن ساعد الجد بالانتهاء عما حرم الله، وفعل ما افترضه وأوجبه، والإكثار من الخيرات وما ينفع في الدار الآخرة، فإن ذلك من أعظم ما يسهل على المرء سكرة الموت، ويجعله ثابتاً موقناً من دينه ساعه الاحتضار.

فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يحتضر ويقرأ: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} [القمر: 54-55]

وهذا العلاء بن زياد لما حضرته الوفاة، بكى فقيل له: ما يبكيك؟
قال: كنت والله أحب أن استقبل الموت بتوبة
فقالوا: فافعل رحمك الله فدعا بطهور فتطهر، ثم دعا بثوب له جديد فلبسه، ثم استقبل القبلة، فأومأ براسه مرتين أو نحو ذلك ثم اضطجع ومات.

ولما احتضر عامر بن عبدالله بكى وقال: "لمثل هذا المصرع فليعمل العاملون، اللهم إني أستغفرك من تقصيري وتفريطي، وأتوب إليك من جميع ذنوبي، لا إله إلا الله ثم لم يزل يرددها حتى مات".

ومن لطيف قدرة الله، أنه سبحانه وتعالى يثبت المؤمنين بالقول وملازمتهم للطاعات ويبعدهم عن الخطايا والمعاصي والسيئات.

وهذا عمر بن عبدالعزيز رحمه الله عند موته يقول: أجلسوني، فأجلسوه
فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، ولكن لا إله إلا الله، ثم رفع رأسه فأحد النظر
فقالو له: إنك لتنظر نظراً شديداً يا أمير المؤمنين
قال: إني أرى حضرة ماهم بإنس ولا جن ثم قبض، رحمه الله وسمعوا تالياً يتلو: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83]

أخي:
فكن بالله ذا ثقة وحــاذر *** هجوم الموت من قبل أن تراه
وبادر بالمتاب وأنت حي *** لعلــــــك أن تنـــــال به رضاه

ثانياً: كيف نستعد للموت؟

أخي المسلم: أما وقد عرفت أن لحظة الاحتضار، لحظة امتحان، وأن الموت حتم لازم، ليس منه بد ولا منه مفر، فكن لتلك اللحظات على استعداد، وتزود بالتقوى ليوم المعاد، واعلم أنك تموت على ما حييت عليه، وأنك تبعث على ما مت عليه، فكيف نستعد للموت؟!

1-اجتناب المنهيات:

فاجتنب أخي الكريم ما نهاك الله عنه، وجاهد نفسك بالابتعاد عن الشهوات والشبهات واعلم أن الله جل وعلا يغار على محارمه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يغار وغيرة الله أن يأتي المرء ما حرم الله عليه».

وقد أوعد الله جل وعلا من تعدى حدوده وانتهك حرماته بالفتنة والعذاب، فقال تعالى:
{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]

واعلم حفظك الله، أن جملة ما نهى الله جل وعلا عنه يتخلص في ثلاثة أمور:
الأول: الشرك
الثاني: الظلم
الثالث: الفواحش

قال تعالى في وصف المؤمنين {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ} [الفرقان: 68]

فعامة ما نهى الله جل وعلا ينضوي تحت هذه الثلاثة، فمن وفق لاجتنابها فقد استعد للموت حق الاستعداد، وكان اجتنابه نجاة له يوم المعاد.

فقد حرم الله جل وعلا عنه الشرك وجعله موجباً للخلود في النار فقال: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48]
وحرم الظلم فقال: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} [الحج: 71]

وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على سفك دماءهم واستحلوا محارمهم».

وحرم الله جل وعلا الفواحش فقال: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى: 37]
فهذه الثلاثة هي أصول المنهيات كلها، فمن حقق اجتنابها فقد اجتنب عامة ما نهى الله عنه، من الغيبة والنميمة والكذب وعقوق الوالدين وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والغش والخداع والخيانة وأكل أموال الناس بالباطل وغير ذلك مما يعد انتهاكاً لحرمات الله وحدوده.

نادى القصور التي أقوت معالمها *** أين الجسوم التي طابت مطاعمها
أيـن الملـــوك وأبنـــــاء الملـــــوك *** ومـن ألهـاه ناضــــــر دنياه ناعمها
أين الأسود التي كانــت تحاذرها *** أسد العـرين ومن خوف تسالمها
أين الذين لهــــوا عما لــه خلقـوا *** كما لهات في مـراعيها سوائمها
أين العيون التي نامت فما انتبهت*** واهاً لها نومة ما هـب نائمـها

2-أداء الفرائض والواجبات:

ولا تتجلى حقيقة إسلام العبد إلا بأداء ما افترضه الله عليه، ومن ذلك الصلاة والزكاة والصيام والحج لمن استطاع إليه سبيلاً، فهذه هي ثوابت الإسلام وأركانه، فعن أبي عبدالرحمن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان».

فمن حافظ على هذه الفرائض وأداها على الوجه الذي يليق كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد جمع خصال الخير والفضل، وكان له ذلك أكبر عون على سكرات الموت ووحشة القبر وأثابه الله على ذلك أجراً عظيماً.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال: «تعبدالله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان»
قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا
فلما ولى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا».

نسأل الله أن يوفقنا للاستعداد ليوم الحاجة والمعاد، باجتناب ما حرم وفعل ما أمر ولا يجعلنا في النادمين، ولا من الذين يطلبون المرجعية، ويسهل علينا شدة القبر وعلى جميع المسلمين.

إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى*** تقلب عرياناً وإن كان كاسياً
وخير خصال المــرء طاعــــة ربـــــه *** ولا خير فيمن كان الله عاصياً

3-تذكر الموت ومحاسبة النفس:

أخي الكريم: ومما يعلي الهمة، ويدفع النفس إلى الاستعداد للموت، دوام ذكره ومذاكرته، وتوقع حصوله في كل لحظة وحين، ومحاسبة النفس على الأقوال والأفعال والخواطر.

قال سفيان: "من أكثر من ذكر القبر وجده روضة من رياض الجنة، ومن غفل عن ذكره وجده حفرة من حفر النار".

وقال حاتم الأصم: "من مر بالمقابر فلم يتفكر لنفسه ولم يدع لهم فقد خان نفسه وخانهم، ولذلك فقد رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور لما لها من أثر بليغ على النفوس"
فعن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة».

وروي عن داود الطائي أنه مر على امرأة تبكي على قبر وهي تقول:
عدمت الحياة ولا نلتـها *** إذا كنت في القبر قد لحدوكا
فكيف أذوق طعم الكرى *** وأنت بيمنـاك قد وسدوكا
ثم قالت يا ابناه ليت شعري بأي خديك بدأ الدود؟
فصعق داود مكانه وخر مغشياً عليه.

فأكثر أخي الكريم من ذكر هادم اللذات، واعلم أنه آت لا محالة، واستعد للحساب وامتحان القبر.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا فإنه أهون عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية".

ولذا ينبغي للعبد أن يحاسب نفسه كل وقت وحين على أداء الفراض، واجتناب النواهي وأين قضى يومه، ومن أين اكتسب ماله، وفيم أنفقه، وماذا بطش بيده وأين سارت رجله، وماذا رأت عينه وماذا سمعت أذنه؟

فمتى كان العبد شديد المحاسبة لنفسه، مداوماً على التوبة والاستغفار مما يجده من التقصير والتفريط في جنب الله، كان أقرب إلى الثبات عند الموت، وأبعد عن الفتنة وشدة البلاء.

3-الإكثار من الطاعات والقربات:

ومن ذلك الحرص على النوافل والأذكار، وأعمال الخير وبذل المعروف، والتخلق بالخلق الحسن مع الناس، فإنه ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من الخلق الحسن.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل معروف صدقة».

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربي ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ماقدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتق النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة».

وعن عبدالرحمن بن عبدالله بن سابط، لما حضر أبا بكر الصديق الموت دعا عمر فقال له: "اتق الله يا عمر، واعلم أن لله عملاً بالنهار لا يقبله بالليل، وعملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدي فرضيته، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في دار الدنيا وثقله عليهم وحق لميزان يوضع فيه الحق غداً أن يكون ثقيلاً".

فاغنم العمر وبادر بالتقى قبل الممـات
وأنب وارجع وأقلع من عظيم السيئـات
واطلب الغفران ممن ترتعبي منه الهبات
ثم نادى في الدياجى يا مجيب الدعـوات
اعف عنا يا رحيما وأقلنا من العثـرات

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

القبر.. بيت الدود ودار الخمود

القبر.. بيت الدود ودار الخمود

نبذة :
أخي: ما أقسى هذه القلوب!، لا الموت يفزعها!، ولا القبر يخوفها!، كأنما خلقت من حجر!






مرات التحميل : 1467مطوية مصورة بتصميم الدار pdf/4.3 MB تحميل : 1467




نص المطوية :




بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله واهب النعم، ومنشئ الخلق بعد الرميم والعدم، والصلاة والسلام على نبيه سيد الأمم، وعلى آله وأصحابه أهل المفاخر والكرم، وبعد:

أخي المسلم: هنالك وفي تلك الديار الكئيبة، الحزينة! ديار من دخلها انقطعت صلته بالأحياء! ديار من دخلها ودعه الأهل والإخوان وداع من لا يرجى لقاؤه!
هنالك! وقد وقفت جماعة وهم يحرفون قبرًا ليودعوه ميتًا ليصبح من سكان تلك الديار الموحشة!
ولكن، إذا برجل يتقدم نحو القبر! انه زينة العباد مالك بن دينار -رحمه الله- فيقف على القبر وهو يقول: "مالك غدًا هكذا يصير؟! وليس له شيء يتوسده في قبر!".
فلم يزل يقول: "غدًا مالك هكذا يصير"، حتى خر مغشيًا عليه في جوف القبر! فحملوه فانطلقوا به إلى منزله.

أخي: إنه (القبر!) بيت الوحدة، ودار الوحشة، وموطن الظلمة. صاحبه في سهود، وسكانه في خمود، أنيسه الصديد والدود، دار الأموات، ومنزل الحسرات، ومستودع الكربات.

أخي: ما أفظع القبر من مذكور! وما أشده على الأحياء من مدخور! فزعت من فظاعته القلوب! وهانت دونه الخطوب!
فكم من قلب صالح مخبت ارتجف عند ذكره، وسالت مدامع صاحبه عند رؤيته وقربه، فهذا التقي النقي ذو النورين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- كان إذا وقف على قبر يبكي حتى يبل لحيته! فقيل له: "تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟!" قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه»، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما رأيت منظرًا قط إلا والقبر أفظع منه!!» [رواه الترمذي وابن ماجة، صحيح ابن ماجة: 4343].

أخي في الله: يا لهول الخطب الفادح! ويا لهول يومنا في جوف الثرى!

أخي: لا راجع من الموتى فيخبرنا عن تلك الخطوب! ولا مطلع من الأحياء على تلك الأهوال والكروب!

أخي: وحشة.. وظلمة.. وأهوال.. ودود! فيا لله! أين المهرب من تلك الحفرة؟! أم أين الفرار من ذلك اللحد؟!

وَعَـظَـتْــكَ أَجْـــداثٌ صُـــمُـت *** وَنَـعَـتْـكَ أَزْمـنَــةٌ خُـفُـتْ
وتَكـلَّـمـتْ عـن أوجُـهٍ تبـلى *** وعـن صُــــــوَرٍ سُـــبُــتْ
وأَرَتْـكَ نَـفـسَـك في القُبُــور *** وأنتَ حــيٌّ لـم تَــمُـــتْ

أخي المسلم: إذا تذكرت القبر فتذكر الظلمة! فيا لله! ونحن في دار الدنيا وفي الأرض الواسعة؛ إذا أطفئ المصباح عم الظلام! وأطلت الوحشة! فيا للمصاب كيف سيكون حال من أطبقوا عليه الثرى؟!
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله عز وجل ينورها لهم بصلاتي عليهم» [رواه البخاري ومسلم].

أخي: وإذا تذكرت القبر فتذكر ضمته! فما أفظعه من يوم أخي يوما ينطبق عليك القبر!! فلا تسل أخي عن فظاعة ذلك وهوله!
أخي: أترانا ناجين من هول تلك الضمة؟!
أخي: ألا حدثتني عن نفسك! هل تذكرت يومًا تلك اللحظات الفظيعة؟!
أخي: إن لم تتذكر! فتذكر، فوآشدة يوم يضيق فيه القبر ليضم ذلك العبد الضعيف!!
أخي: وكم يصيب الفزع الأفئدة عندما تعلم أن الصالحين لم ينجوا من هول تلك الضمة!! ألا ترى إلى سعد بن معاذ -رضي الله عنه- سيد الأنصار، وصاحب المواقف المشهورة في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، والذي اهتز عرش الرحمن لموته! وشهد تشييعه سبعون ألفًا من الملائكة! ها هو يخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا الذي تحرك له العرش! وفتحت له أبواب السماء! وشهده سبعون ألفًا من الملائكة! لقد ضم ضمة ثم فرج عنه» [رواه النسائي، صحيح النسائي: 2054].

قال ابن أبي مليكة: "ما أجير من ضغطة القبر أحد! ولا سعد بن معاذ الذي منديل من مناديله -أي في الجنة- خير من الدنيا وما فيها".

أخي: يا لهول تلك الديار! ويا لكرب من حلها للقرار! أهوالها لا تطاق، وشدائدها لا يكشفها إلا الواحد الخلاق.
أخي: إذا وضعوك في قبرك نزل عليك ملكان ليسألانك! فما أشدها من لحظات على الغافلين! وما أسوأها على المرتابين المكذبين!
وأما المؤمنون الصادقون؛ فما أسعدها عليهم من لحظات، وما أهنأها لهم من ساعات.
أخي: تأمل معي تلك اللحظات! وسل الله تعالى الراضون والتوفيق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟! فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟! فيقول ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟! فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيقولان له: وما علمك؟! فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به وصدقت.
فينادي مناد في السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا في الجنة. قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره.
قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد! فيقول له: من أنت؟! فوجهك الوجه يجيء بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح! فيقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي» [رواه أحمد وغيره].

وفي رواية للترمذي: «إذا قبر الميت أو قال أحدكم- أتاه ملكان أسودان، أزرقان، يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير! فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟! فيقول: ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله. فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين، ثم ينور له فيه، ثم يقال له: نَمْ! فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم! فيقولان: نَمْ كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه! حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك» [السلسلة الصحيحة: 1071].

أخي: تلك هي حال أهل الصدق من المؤمنين؛ الذين عمروا أيامهم بطاعة الله تعالى، والتماس رضوانه، فلقَّاهم جزاء أهل الصدق. وأما الكافرون والمرتابون وأهل النفاق، فما أسوأ ما وجدوه في قبورهم! وما أفظع ما نالوه جزاء لأعمالهم؛ إذا ردت أرواحهم ليشهدوا تلك الأهوال!
فها هو صلى الله عليه وسلم يخبرنا عن مصير هؤلاء الأشقياء! إذ يقول صلى الله عليه وسلم: «فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟! فيقول: هاه هاه لا أدري! فيقولان له: ما دينك؟! فيقول: هاه هاه لا أدري! فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟! فيقول: هاه هاه لا أدري!
فينادي مناد من السماء: أن كذب فأفرشوا له من النار! وافتحوا له بابًا إلى النار! فيأتيه من حرها وسمومها! ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه! ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح! ويقول: أبشر بالذي يسوؤك! هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت؟! فوجهك الوجه يجيء بالشر. فيقول: أنا عملك الخبيث!! فيقول: رب لا تقم الساعة!» [رواه أحمد وغيره].

وفي رواية أخرى للبخاري: «ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين».

أخي: تلك هي النتيجة التي سيعرفها كل عبد إذا أهالوا عليه التراب! فما أسعد المؤمنين الصادقين يوم تكون قبورهم روضة من رياض الجنان، وما أشقى المرتابين المكذبين يوم تكون قبورهم حفرة من حفر النيران!.
أخي: ما أسعدها للمؤمنين الصادقين من لحظات يوم يرى المؤمن مقعده في الجنة!

رأَيــتُ الحــقَّ لا يَـخْـفَــى *** ولا تَـخْــفَـى شَـوَاكـلُـهُ
أَلا فـانـظُــرْ لنـفـسِــكَ أيّ *** زَادٍ أَنـــتَ حـــامـــلُـــــهُ
لـمـــنــــزلِ وَحْــــدةٍ بـيــنَ *** المـقَــابــر أَنــتَ نَـازلُــهُ
قصيـر السَّـمْـكِ قَـد رُصَّـتْ *** عـليـــكَ بــه جَـنـادِلُـــهُ

ولتعلم أخي أنه ما من عبد إلا وله مقعدان؛ مقعد في النار، ومقعد في الجنة ! فإن كان العبد من أهل الجنة رأى مقعده فيها ورأى في النار إن كان عمل بعمل أهل النار! فيزداد سروره إذا أبصر لذلك . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فيقال: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدًا من الجنة» [رواه البخاري].
وأما المرتاب والمنافق فيزداد غمه وحزنه إذا أبصر مقعده في الجنة إن كان عمل بعمل أهل الجنة!

أخي في الله: ما أفظعها من لحظات! تلك اللحظات التي يسأل فيها العبد في قبره!
فليت شعري أخي ماذا أعددت لها؟! عملا صالحًا؟! أم قلبًا خاشعًا؟! أم لسانًا ذاكرًا؟! فيا لكرب! من نزل قبره مفرطًا مقصرًا!
أخي: لا تغفلن عن كثرت التعوذ من عذاب القبر! عسى الله أن يجعل لك فيه فرجًا يوم لا فارج لكرباته إلا هو تبارك وتعالى.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: أن رسول الله كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن! يقول: «قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» [رواه مسلم].
أخي: هو (عذاب القبر!) ما أشد هوله! وما أفظعه! أرأيت أخي كيف أخفاه الله تعالى عن الأحياء لأنهم لا يطيقون مشاهدته أو سماعه! فلو شاهدوه أو سمعوه لما دفن حي ميتًا! قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر» [رواه مسلم].

أخي: تذكر يومًا أنت فيه وحيدًا! منفردًا عن الخلق! لا أنيس! ولا جليس!
أخي: أتدري من الجليس من تلك الوحشة؟!
إنه (العمل الصالح!) نعم الزاد في الدنيا والآخرة، ونعم الصديق إذا أوحشك صديق، ونعم الرفيق يوم يسلمك الرفيق إلى الثرى!
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى معه واحد! يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله ويبقى عمله» [رواه البخاري ومسلم].

أخي: لا تكونن ممن غفل عن الصالحات وزهد عن الطاعات! فما أحوجك أخي إليها في يوم التثبيت! يوم سؤال الملكين إذا انفردا بك في قبرك! يومها يثبت الصادقين مولاهم تعالى ويلهمهم الحجة، إذ أنهم عاملوه تعالى في دار الدنيا بالصدق والإخلاص.
فال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قعد المؤمن في قبره أتي، ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله: {يُثَبِّتُ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ} [إبراهيم: 27]» [رواه البخاري ومسلم].

قال نصر بن محمد السمرقندي: "ويقال: التثبيت في أربعة أحوال:
أحدها: عند الموت.
والثاني: في القبر حتى يجيب بلا خوف.
والثالث: عند الحساب.
والرابع: عند الصراط حتى يمر كالبرق الخاطف".

أخي المسلم: ما أحوجك إلى الثبات غدًا إذا نزلت قبرك! وأحاط بك الملكان!

أخي: وكم كان نبينا رحيمًا ورفيقًا بأمته كما يحدثنا عنه عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قال: كان النبي إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: «استغفروا لأخيكم وسلوا له بالتثبيت فانه الآن يسأل» [رواه أبو داود، صحيح أبي داود: 3221].

أخي: أعاذني الله وإياك من فتنة القبر، أخي ما أعظم خسران أولئك الغافلين إذا نزلوا القبور! وفارقوا النعيم والدور! فوا كربهم! نسوا بيت الظلمة والدود! نسوا يوم الوحشة والسهود!
عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: بينما نحن مع رسول الله إذا بَصُر بجماعة فقال: «علام اجتمع هؤلاء؟» قيل: على قبر يحفرونه. قال: ففزع رسول الله فبدر بين يدي أصحابه مسرعًا! حتى انتهى إلى القبر فجثا عليه! قال: فاستقبلته من بين يديه لأنظر ما يصنع. فبكى! حتى بل الثرى من دموعه! ثم اقبل علينا، قال: «أي إخواني لمثل اليوم فأعدوا!» [رواه أحمد، السلسلة الصحيحة: 1751].

أخي: يا ويل نفس لا تعمل الصالحات حتى زارت ظلمة القبور! ألا أخي فلتذكر تلك الظلمات، إذا غادرك القريب والبعيد بين الأموات.

كـأنَّ الأرض قد طُـويـتْ عَـلَـيَّـا *** وقـد أُخـرجْـتُ مـمَّـا في يَـدَيَّـا
كأنِّي يـوم يَحْثو التُّربَ قومي *** مهيلًا لم أكُنْ في الناس حَيًّا
كـأنَّ القــومَ قـد دَفَـعـوا وَوَلُّـوا *** وكــلٌّ غـيـــرُ مُــلـتـفــتٍ إلَــيَّـا
كـأنْ قد صِـرْتُ منفـردًا وحيدًا *** ومُـرْتَـهـــنًا هـنــاك بـمـا لَـدَيَّـا

أخي في الله: تذكر القبور، وعد نفسك من سكان تلك الدور، عساك أن تكون من أهل السرور.

* قال سفيان الثوري -رحمه الله-: "من أكثر من ذكر القبر وجده روضة من رياض الجنة، ومن غفل عن ذكره وجده حفرة من حفر النار!".

أخي: هلا عجبت معي من أولئك الصالحين الذين كان تذكر الموت والقبور يتردد على قلوبهم كتردد أنفاسهم!

* كان هشام الدستوائي -رحمه الله- إذا طُفِئ المصباح غشيه من ذلك أمر عظيم!
فقالت له امرأته: إنه يغشاك أمر عظيم عند المصباح إذا طُفِئ؟! قال: إني أذكر ظلمة القبر!!

أخي: ما أقسى هذه القلوب! لا الموت يفزعها! ولا القبر يخوفها! كأنما خلقت من الحجر!

أخي: رحم الله أقوامًا كانوا إذا قست قلوبهم ذكروها الموت، وخوفوها بالقبر والنيران، فهذا الصالح القانت الربيع بن خثيم -رحمه الله- تلميذ ابن مسعود -رضي الله عنه- وأشبه الناس به! كان رحمه الله قد حفر في داره قبرًا! فكان إذا وجد في قلبه قساوة دخل فيه فاضطجع فيه! ومكث ساعة ثم قال: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ} [المؤمنون: 99-100].
ثم يقول: "يا ربيع قد أُرْجعْتَ! فاعمل الآن قبل أن لا ترجع!!".

* وكان يزيد الرقاشي -رحمه الله- يقول: "أيها المقبور في حفرته! المتخلي في القبر بوحدته! المستأنس في بطن الأرض بأعماله! ليت شعري! بأي أعمالك استبشرت؟! وبأي أحوالك اغتبطت؟!"، ثم يبكي حتى يبل عمامته! ويقول: "استبشر والله بأعماله الصالحة، واغتبط والله بإخوانه المعاونين له على طاعة الله".

أخي: الوقوف بديار الموتى يذكر الموت، ورؤية القبور تذكر القبر، فيا لحظ نفس اعتبرت بالقبور، وعملت ليوم النشور.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» [رواه ابن ماجه، صحيح ابن ماجه: 1591].

كان أبو الدرداء -رضي الله عنه- يقعد إلى القبور، فقيل له في ذلك! فقال: "أجلس إلى قوم يذكرونني معادي، وإن قمت عنهم لا يغتابونني!".

وقيل لبعض الزهاد: ما أبلغ العظات؟! قال: "النظر إلى محلة الأموات".

أَتَـيْــتُ القُبــورَ فـسَـاءلْـتُـهـا *** أيـنَ المُـعَـظّـمُ والمُحْـتَـقَـرْ
وأَيــنَ المُــذلُّ بـسُـلـطــانــه *** وأيـنَ القـويُّ على ما قَـدِرْ
تَفَـانَوْا جـمـيـعًـا فمـا مُخْبــرٌ *** وماتُـوا جميعًا ومـاتَ الخَبَرْ
فيا سائلي عن أُناس مَضَوْا *** أمَـالَكَ فيمـا مَـضَـى مُعْتَبَرْ

أخي المسلم: يا لشدة يوم ترحل فيه إلى باطن التراب، وتفرد فيه للوحشة وعظائم المصاب، انقطعت اللذات، وجفاك الأهل والقرابات.
أخي: ألا فلتفزع معي إلى الرحمن الرحيم، رب العباد وواهب الفضل العظيم.

"يا من لا يأنس بشيء أبقاه، ولا يستوحش من شيء أفناه، ويا أنيس كل غريب، ارحم في القبر غربتي. ويا ثاني كل وحيد آنس في القبر وحدتي" أبو سليمان الداراني -رحمه الله-.

{يُثَبِّتُ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّـهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّـهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27].